محمد عزة دروزة
111
التفسير الحديث
الخائضين وإنما تسامحت في نسيان أمر اللَّه بذلك وأوجبته في حالة التذكر . ولقد روى الطبري عن قتادة أن الآية قد نسخت بآيات القتال ، وهذا صواب إذا كان الخوض طعنا في الدين وفي اللَّه وكتابه ورسوله . فكل هذا صار من مستوجبات القتال بعد الهجرة على ما جاء في آية سورة التوبة هذه : وإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ‹ 12 › وهذه الحالة هي غير حالة الأمر بالصبر على الكفار والإعراض عنهم الذي تكرر في سور مكية عديدة وقال بعض المفسرين إنه نسخ بعد الهجرة بآيات القتال . فإن هذا إنما يصح إذا رافق موقف الكفار طعن وأذى على ما شرحناه في تفسير سورة الكافرون . ومع خصوصية الآيات وصلتها بظروف السيرة النبوية فإنها تضمنت تلقينا جليلا مستمر المدى في حظر مجالسة الهازئين الطاعنين في دين اللَّه ورسله وكتبه والخائضين في مواضيع خارجة عن الأدب والحق كما هو المتبادر . فضلا عن كون الهزء والطعن في الدين من موجبات الجهاد على المسلمين على ما ذكرناه آنفا . تعليق على جملة * ( وإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) * بالنسبة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ولقد وقف بعض المفسرين ( 1 ) عند هذه الجملة وتساءلوا عن جواز النسيان على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم جواز تأثره بالشيطان . والآية صريحة بجواز النسيان عليه ، وعلى غيره من الأنبياء . وفي القرآن آيات عديدة أخرى تؤيد ذلك . مثل آية الكهف هذه التي يخاطب بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم : واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ 24 ] وآية طه [ 115 ] بالنسبة لآدم وآية الكهف [ 62 ] بالنسبة لموسى . وقد أمر اللَّه رسوله والمؤمنين بالدعاء للَّه بأن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا في الآية الأخيرة من سورة البقرة .
--> ( 1 ) انظر تفسير الخازن .